سيد قطب
2846
في ظلال القرآن
ومنذ هذا اليوم بدأت الحرب التي لم تضع أوزارها قط حتى اليوم بين الإسلام ويهود ! لقد بدأت في أول الأمر حربا باردة ، بتعبير أيامنا هذه . بدأت حرب دعاية ضد محمد - عليه الصلاة والسّلام - وضد الإسلام . واتخذوا في الحرب أساليب شتى مما عرف به اليهود في تاريخهم كله . اتخذوا خطة التشكيك في رسالة محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وإلقاء الشبهات حول العقيدة الجديدة . واتخذوا طريقة الدس بين بعض المسلمين وبعض . بين الأوس والخزرج مرة ، وبين الأنصار والمهاجرين مرة . واتخذوا طريقة التجسس على المسلمين لحساب أعدائهم من المشركين . واتخذوا طريقة اتخاذ بطانة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يوقعون بواسطتهم الفتنة في صفوف المسلمين . . وأخيرا أسفروا عن وجوههم واتخذوا طريق التأليب على المسلمين ، كالذي حدث في غزوة الأحزاب . . وكانت أهم طوائفهم بني قينقاع ، وبني النضير ، وبني قريظة . وكان لكل منها شأن مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ومع المسلمين . فأما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود ، فقد حقدوا على المسلمين انتصارهم ببدر ؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته ، بعد ما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم . وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن طريق ابن إسحاق ما كان من أمرهم قال : وكان من حديث بني قينقاع أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال : « يا معشر يهود ، احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد اللّه إليكم » قالوا : يا محمد ، إنك ترى أنا قومك ، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة . إنا واللّه لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس . وذكر ابن هشام عن طريق عبد اللّه بن جعفر قال : كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها ، فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا بها ، فصاحت . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهوديا ، وشدت يهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع . وأكمل ابن إسحاق سياق الحادث قال : فحاصرهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حتى نزلوا على حكمه ، فقام عبد اللّه بن أبيّ بن سلول « 1 » ، حين أمكنه اللّه منهم ، فقال : يا محمد ، أحسن في مواليّ - وكانوا حلفاء الخزرج - قال : فأبطأ عليه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : يا محمد أحسن في مواليّ . قال : فأعرض عنه . فأدخل يده في جيب درع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أرسلني . وغضب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حتى رأوا لوجهه ظللا . ثم قال : ويحك ! أرسلني . قال : لا واللّه لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ . أربع مائة حاسر . وثلاث مائة دارع ، قد منعوني من الأحمر والأسود . تحصدهم في غداة واحدة .
--> ( 1 ) رأس المنافقين .